مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

184

تفسير مقتنيات الدرر

في منازلنا فتتحدّث العرب أنّهم دخلوا علينا على رغم أنفنا واللَّات والعزّى لا يدخلونها علينا فهذه الحميّة الجاهليّة الَّتي دخلت قلوبهم أو المراد أنفتهم من الإقرار لمحمّد بالنبوّة والاستفتاح ببسم اللَّه الرحمن الرحيم حيث أراد صلَّى اللَّه عليه وآله يكتب كتاب الصلح في الحديبية . فأنزل اللَّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ولمّا جعل الكافرون لأنفسهم حميّة الجاهليّة وانوفتها جعل اللَّه للمؤمنين الطمأنينة في الإيمان والسكينة والتقوية في قلوبهم فما جعل للكافرين بجعلهم وما جعل للمؤمنين بجعل اللَّه والفرق بين الفاعلين ما لا يخفى كما أنّ بين المفعولين مباينة تامّة وأين الحميّة الجاهليّة والسكينة الإلهيّة ؟ ثمّ تأمّل في حسن العبارة في قوله تعالى : « فَأَنْزَلَ » عبّر سبحانه بالفاء لا بالواو إشارة إلى أنّ ذلك كالمقابلة تقول : أكرمني فأكرمته للمجازاة والمقابلة ولو قلت : أكرمني وأكرمته لا ينبئ عن هذا المعنى . قوله : * ( [ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى ] ) * وهي قول لا إله إلَّا اللَّه عن ابن عبّاس وجماعة وفي العلل عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله أنّه قال في تفسير لا إله إلَّا اللَّه : وهي كلمة التقوى يثقل اللَّه بها الموازين يوم القيامة وفي الكافي عن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عنها فقال : هي الإيمان وفي المجالس عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله قال : إنّ عليّا راية الهدى وإمام أوليائي ونور لمن أطاعني وهو الكلمة الَّتي ألزمها المتّقين وقال عليّ عليه السّلام في خطبة : أنا عروة اللَّه الوثقى والكلمة التقوى . قوله : * ( [ وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها ] ) * قيل في الآية تقديم وتأخير والتقدير كانوا أهلها وأحقّ بها أي كان المؤمنون أهل تلك الكلمة وأحقّ بها من المشركين وقيل : المعنى وكانوا أحقّ بنزول السكينة عليهم وأهلا لها وقيل : وكان المؤمنون أحقّ بمكّة أن يدخلوها وأهلها وقد يكون حقّ أحقّ من غيره * ( [ وَكانَ اللَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ] ) * فبيّن سبحانه علمه ببواطن سرائرهم وما ينطوي عليه عقد ضمائرهم . * ( [ لَقَدْ صَدَقَ اللَّه ُ رَسُولَه ُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ] ) * وبيانه أنّ اللَّه تعالى أرى نبيّه في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنّهم داخلون مكّة عامهم ذلك فلمّا انصرفوا من الحديبية ولم يدخلوا مكّة قال المنافقون : ما حلَّقنا وما قصّرنا ولا دخلنا المسجد الحرام ، فأنزل اللَّه هذه